شرح المادة ٣٩ من قانون العقوبات المصري

شرح المادة ٣٩ من قانون العقوبات المصري

مقدمة

تُعد المادة التاسعة والثلاثون من قانون العقوبات المصري من القواعد الأساسية التي تحدد مفهوم الفاعل في الجريمة، وتميز بين من يقع عليه الوصف الكامل للفاعل ومن يكون مشاركاً أو مساهماً بدرجة أخرى. فالقانون لا يكتفي في بعض الجرائم بمن نفذها بيده وحدها، بل يمد وصف الفاعلية إلى كل من ساهم عمداً في تكوين الجريمة إذا كانت تتألف من عدة أعمال. ومن ثم فإن هذه المادة تمثل أساساً مهماً في مساءلة كل من كان له دور جوهري في وقوع الجريمة، سواء كان منفرداً أو شريكاً في التنفيذ، مع وضع ضوابط تحدد أثر الظروف الخاصة بكل فاعل على الوصف والعقوبة.

نص المادة

تنص المادة التاسعة والثلاثون على أن يعد فاعلاً للجريمة: أولاً من يرتكبها وحده أو مع غيره. ثانياً من يدخل في ارتكابها إذا كانت تتكون من جملة أعمال فيأتي عمداً عملاً من الأعمال المكونة لها. ومع ذلك إذا وجدت أحوال خاصة بأحد الفاعلين تقتضي تغيير وصف الجريمة أو العقوبة بالنسبة له فلا يتعدى أثرها إلى غيره منهم، وكذلك الحال إذا تغير الوصف باعتبار قصد مرتكب الجريمة أو كيفية علمه بها. ومعنى النص أن الفاعل لا ينحصر في الشخص الذي أنجز الجريمة كاملة بمفرده، بل يشمل من اشترك مع غيره في ارتكابها، وكذلك من أتي عمداً بعمل من الأعمال الداخلة في تكوين الجريمة.

شرح المادة

تبدأ المادة بتقرير أن من يرتكب الجريمة وحده يعد فاعلاً لها، وهو المعنى الطبيعي للفاعلية، إذ يجمع بين السلوك الإجرامي والقصد الجنائي. ثم توسع المادة هذا المفهوم لتشمل من يرتكب الجريمة مع غيره، أي من يتعدد معه الفاعلون في تنفيذ الركن المادي للجريمة. ولا يشترط أن يكون كل فاعل قد نفذ كل عناصر الجريمة، بل يكفي أن يساهم في تنفيذها مع غيره بقصد إحداث النتيجة الإجرامية. أما الفقرة الثانية فتنصرف إلى الجرائم المركبة التي تتكون من عدة أعمال، مثل بعض جرائم الاحتيال أو التزوير أو الرشوة، فإذا قام أحد الأشخاص عمداً بعمل من الأعمال المكونة للجريمة، فإن القانون يعتبره فاعلاً لا مجرد مساعد، لأن عمله أصبح جزءاً من بناء الجريمة ذاتها.

الحكمة التشريعية

تهدف المادة إلى تحقيق عدالة جنائية دقيقة، فلا يفلت من العقاب من كان دوره حقيقياً في الجريمة لمجرد أنه لم ينفرد بتنفيذها أو لم يأت بكل أعمالها. فإذا كان الجرم يتطلب تضافر أكثر من شخص أو مجموعة من الأفعال، فإن اعتبار كل من أتي عمداً بعمل من أعماله فاعلاً يحقق الردع ويحمي المجتمع من صور الإجرام الجماعي. وفي الوقت نفسه، لم تغفل المادة مبدأ شخصية العقوبة، فقررت أن الظروف الخاصة بأحد الفاعلين، كالصفة أو العلاقة أو العلم الخاص، لا تمتد آثارها إلى باقي الفاعلين إلا بقدر ما تقوم أدلتهم. وهذا يحقق التوازن بين محاسبة الشركاء في الجريمة ومراعاة اختلاف أحوال كل منهم.

أهمية المادة في التطبيق العملي

تظهر أهمية المادة التاسعة والثلاثين بوضوح عند نظر الدعاوى الجنائية التي يتعدد فيها الجناة. فهي تساعد القاضي على تحديد من يعد فاعلاً أصلياً ومن يخرج عن هذا الوصف إلى صور أخرى من المساهمة. كما تفيد في الجرائم الجماعية التي يصعب فيها إسناد كل عمل إلى شخص واحد، إذ يكفي لإثبات الفاعلية أن يثبت أن المتهم أتي عمداً بعمل من الأعمال المكونة للجريمة. كذلك تساعد المادة في فصل المسؤولية عند وجود ظروف مشددة أو مخففة خاصة بأحد الفاعلين، فلا تتحول عقوبة شخص له صفة معينة إلى عقوبة مشتركة على الجميع ما لم تكن الصفة مشتركة أو العلم ثابتاً في حقهم.

مثال عملي

إذا اتفق شخصان على ارتكاب جريمة تتطلب أكثر من عمل، فقام أحدهما بإعداد أوراق مزورة، وقام الآخر بتقديمها إلى جهة رسمية للحصول على منفعة غير مستحقة، فإن كلا منهما قد يعد فاعلاً إذا كان العمل الذي قام به داخلاً في تكوين الجريمة ومقترناً بقصد إجرامي. أما إذا ثبت أن أحدهما كان موظفاً عاماً واستغل وظيفته في الجريمة، فإن هذه الصفة قد تغير الوصف أو العقوبة في حقه وحده، ولا تمتد إلى شريكه إلا إذا توافرت في حقه ذات الصفة أو العلم الكافي بها.

خاتمة

تقرر المادة التاسعة والثلاثون معياراً عادلاً لتحديد الفاعل في الجريمة، فتجمع بين توسيع نطاق الفاعلية لتشمل من ساهم عمداً في تنفيذ الجريمة، وبين حماية مبدأ شخصية المسؤولية عند اختلاف الظروف الخاصة بكل متهم. وبذلك تكون هذه المادة ركيزة مهمة في فهم المسؤولية الجنائية الأصلية، وفي تحقيق العدالة عند تعدد الجناة وتنوع أدوارهم.


الكلمات المفتاحية: شرح مواد قانون العقوبات، قانون العقوبات المصري، المادة ٣٩، قانون العقوبات المصري، مقالات قانونية

0 تعليقات