الشروع المستحيل بين الخطر الإجرامي ومبدأ الشرعية الجنائية

الشروع المستحيل بين الخطر الإجرامي ومبدأ الشرعية الجنائية

يثير الشروع المستحيل إشكالية دقيقة في القانون الجنائي، لأنه يقع في المنطقة الفاصلة بين خطورة الإرادة الإجرامية وانعدام إمكانية تحقق النتيجة. فالشخص قد يبدأ في تنفيذ مشروع إجرامي معتقداً أن النتيجة ممكنة، بينما تكون مستحيلة لسبب يتعلق بالوسيلة أو المحل أو الظروف. والسؤال هنا: هل يعاقب القانون على خطورة النية وحدها؟ أم يشترط أن يكون الفعل صالحاً بطبيعته لإحداث النتيجة؟

الشروع عموماً يفترض بدء تنفيذ فعل يؤدي مباشرة إلى ارتكاب الجريمة إذا لم يوقف أو يخب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الجاني فيها. أما في الشروع المستحيل، فالنتيجة لا يمكن أن تقع أصلاً، كمن يطلق النار على شخص ميت يظنه حياً، أو يستعمل وسيلة لا تصلح مطلقاً لإحداث النتيجة. وتختلف المعالجة بحسب نوع الاستحالة: فهناك استحالة مطلقة تجعل الجريمة غير قابلة للتحقق في جميع الأحوال، وهناك استحالة نسبية ترتبط بظرف خاص في الواقعة.

التمييز بين الاستحالة المطلقة والنسبية ليس مجرد ترف فقهي، بل له أثر عملي واضح. فإذا كانت الوسيلة غير صالحة مطلقاً، فإن الخطر المادي يكون منعدماً تقريباً، ويثور التساؤل عن مدى مشروعية العقاب. أما إذا كانت الوسيلة صالحة في ذاتها ولكنها أخفقت لسبب عارض، كتعطل السلاح أو خلو الخزينة أو غياب المجني عليه في لحظة التنفيذ، فإن الخطر الإجرامي يظل قائماً.

وتكمن خطورة التوسع في العقاب على الشروع المستحيل في أنه قد يؤدي إلى معاقبة النوايا المجردة. فالقانون الجنائي لا يعاقب على مجرد التفكير أو التصميم الداخلي، وإنما يتطلب خروج الإرادة إلى عمل تنفيذي له دلالة موضوعية. ولذلك يجب أن يظل معيار الخطر المادي حاضراً عند تحليل هذه الصور. فليس كل فعل صادر عن نية سيئة يصلح أساساً للعقاب.

وفي التطبيق العملي، تظهر هذه المسألة في جرائم القتل والسرقة والتزوير والجرائم الإلكترونية. فقد يحاول شخص اختراق نظام لا وجود له، أو استخدام بيانات يظن أنها صالحة وهي غير كذلك، أو تقديم مستند يظنه مزوراً بينما لا أثر قانوني له. في هذه الحالات يجب بحث طبيعة الوسيلة ومدى صلاحيتها، ودرجة اقتراب الفعل من التنفيذ، وما إذا كان الفشل يرجع إلى سبب عارض أم إلى استحالة أصلية.

ويجب على الدفاع عند إثارة هذه المسألة ألا يكتفي بالقول إن الجريمة لم تقع، لأن عدم تحقق النتيجة هو جوهر الشروع أصلاً. بل يجب أن يبين أن النتيجة كانت مستحيلة على نحو ينفي الخطر الموضوعي، وأن الفعل لم يكن صالحاً لإحداث الاعتداء. كما يجب على الاتهام، في المقابل، أن يثبت أن الفعل لم يكن مجرد إعداد أو تصور داخلي، بل بدأ في التنفيذ ووقف أثره لأسباب خارجة عن إرادة الجاني.

وخلاصة القول إن الشروع المستحيل يكشف عن دقة السياسة الجنائية في الموازنة بين النية والخطر. فلا ينبغي إفلات كل من بدأ مشروعاً إجرامياً خطراً لمجرد فشل النتيجة، ولا يجوز في الوقت نفسه معاقبة الشخص على نية مجردة لم تتحول إلى خطر يعتد به القانون.

ويثور التساؤل كذلك عن معيار تقدير الاستحالة: هل ينظر إليها من زاوية الواقع كما تكشف بعد الحادث، أم من زاوية ما كان يبدو وقت التنفيذ؟ الرأي الأكثر اتزاناً يميز بين الخطر الظاهر والخطر الحقيقي، فلا يتوسع في العقاب كلما انكشفت نية آثمة، ولا ينفي المسؤولية كلما حالت مصادفة دون النتيجة. العبرة بمدى اقتراب الفعل من الاعتداء على الحق المحمي في ضوء ظروف التنفيذ.

ويفيد هذا التحليل في منع الخلط بين الشروع والأعمال التحضيرية. فشراء أداة أو مراقبة مكان أو جمع معلومات قد يكشف عن نية، لكنه لا يكفي دائماً لبدء التنفيذ. أما استخدام الأداة فعلاً أو الدخول في مرحلة مباشرة تهدد الحق محل الحماية فقد ينقل السلوك إلى نطاق الشروع. ومن هنا يتعين بناء التكييف على مرحلة الفعل لا على سوء القصد وحده.

0 تعليقات