الدليل الرقمي في الإثبات الجنائي: القيمة القانونية وحدود الاطمئنان

الدليل الرقمي في الإثبات الجنائي: القيمة القانونية وحدود الاطمئنان

أصبح الدليل الرقمي حاضراً في عدد واسع من القضايا الجنائية، سواء تعلقت بجرائم تقنية المعلومات أو الجرائم التقليدية التي تترك أثراً إلكترونياً مثل المحادثات والصور وتسجيلات الكاميرات وبيانات المواقع وسجلات الدخول والتحويلات المالية. ومع ذلك فإن قوة الدليل الرقمي لا تعني قبوله دون فحص، لأنه دليل قابل للنسخ والتعديل والنقل، وقد ينفصل عن صاحبه الحقيقي إذا لم يتم التعامل معه وفق ضوابط فنية وإجرائية دقيقة.

تقوم القيمة القانونية للدليل الرقمي على ثلاثة عناصر رئيسية: المشروعية، والسلامة الفنية، والدلالة. فالمشروعية تتعلق بطريقة الحصول على الدليل وما إذا كانت قد احترمت الضمانات القانونية اللازمة. والسلامة الفنية تتعلق بمدى حفظ الدليل من العبث والتغيير، وسلامة سلسلة الحيازة، وتوثيق إجراءات الفحص. أما الدلالة فتتعلق بما يثبته الدليل فعلاً: هل يثبت وقوع الفعل؟ هل يثبت نسبة الفعل إلى شخص معين؟ هل يثبت القصد الجنائي؟

فوجود رسالة على هاتف لا يعني بالضرورة أن صاحب الهاتف هو كاتبها، ووجود حساب باسم شخص لا يعني أنه مستخدمه الفعلي، ووجود عنوان اتصال لا يكفي وحده دائماً لإثبات الشخص الطبيعي الذي ارتكب السلوك. لذلك يجب التعامل مع الدليل الرقمي باعتباره قرينة فنية تحتاج إلى ربطها ببقية الأدلة. وقد يكون الدليل قوياً إذا تساند مع اعتراف صحيح أو ضبط جهاز أو سجلات دخول أو بيانات دفع.

وتبرز أهمية إجراءات التحريز والفحص في هذا المجال. فالأجهزة الرقمية يجب أن تحفظ بطريقة تمنع تغيير محتواها، ويفضل فنياً التعامل مع نسخة جنائية لا مع الأصل كلما أمكن، مع توثيق وقت الضبط وطريقة الفحص والأدوات المستخدمة. كما ينبغي بيان ما إذا كان الجهاز مؤمناً بكلمة مرور، ومن كان يملك إمكانية الوصول إليه، وهل كانت الحسابات مفتوحة أم محمية.

وفي جرائم النشر والسب والقذف الإلكتروني، لا يكفي أحياناً تقديم صورة شاشة مطبوعة، لأنها قابلة للاصطناع أو التعديل. لذلك تزداد قيمة الدليل كلما أمكن ربطه برابط إلكتروني، أو تقرير فني، أو بيانات من المنصة، أو ضبط الجهاز المستخدم. وفي جرائم الاحتيال الإلكتروني، يجب تتبع العلاقة بين الحسابات والرسائل والتحويلات، لأن مجرد تلقي مال في حساب لا يكشف وحده عن القصد.

ومن ناحية الدفاع، لا يكون الطعن في الدليل الرقمي بإنكاره المجرد، بل بفحص مصدره، وطريقة استخراجه، واحتمال التعديل، وسلسلة الحيازة، ومدى كفايته في نسبة الفعل إلى المتهم. كما يمكن طلب ندب خبير أو مناقشة التقرير الفني إذا كان الدليل محورياً. أما من ناحية الاتهام، فيجب دعم الدليل الرقمي بقرائن أخرى كلما أمكن.

وخلاصة القول إن الدليل الرقمي ليس دليلاً ضعيفاً بطبيعته ولا دليلاً قاطعاً بذاته. قوته تتوقف على مشروعية الحصول عليه، وسلامة حفظه، ودقة تحليله، وارتباطه بباقي أوراق الدعوى. وكلما زادت هذه الضمانات، اقترب الدليل الرقمي من أداء دوره الحقيقي في كشف الحقيقة دون مساس بضمانات المحاكمة العادلة.

ومن المسائل الدقيقة أيضاً الفرق بين سلامة الدليل ووزنه. فقد يكون الدليل مستخرجاً بطريقة صحيحة، لكنه لا يكفي وحده للإدانة، كما قد يكون ذا دلالة قوية لكنه مشوب بعيب في طريقة الحصول عليه. لذلك يجب الفصل بين القبول القانوني للدليل وبين قوته الاقتناعية. وهذا الفصل ضروري في المرافعات، لأن الطعن قد ينصب على المشروعية أو على الدلالة أو على كليهما.

وتزداد الحاجة إلى هذا التحليل مع انتشار الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق، إذ لم تعد الصورة أو الصوت دليلاً بديهياً كما كان في السابق. لذلك يصبح التحقق الفني من مصدر الملف وبياناته الوصفية وتسلسل تداوله أمراً جوهرياً. ويجب أن يتطور الفحص الجنائي الرقمي ليواكب هذه الأدوات، حتى لا تتحول التقنية إلى وسيلة لإدانة الأبرياء أو إفلات الجناة.

0 تعليقات