الأدلة المستخرجة من الهواتف المحمولة: قراءة جنائية في المصدر والسياق والنسبة
أصبحت الهواتف المحمولة مخزنًا شديد الحساسية للأدلة الجنائية، فهي تحتوي على رسائل ومحادثات وصور ومواقع جغرافية وسجلات اتصال وتطبيقات مالية وحسابات سحابية. غير أن القيمة القانونية لهذه البيانات لا تنشأ لمجرد وجودها داخل الجهاز، بل تتوقف على ثلاثة عناصر مترابطة: مشروعية الحصول على الهاتف أو بياناته، وسلامة عملية الاستخراج، وإمكان نسبة المحتوى إلى المتهم أو إلى مستخدم محدد. وهذه العناصر هي التي تميز الدليل الرقمي الجاد عن مجرد مادة معلوماتية قابلة للمنازعة.
أول ما يجب بحثه هو مصدر الدليل. هل تم ضبط الهاتف وفق إجراء مشروع؟ هل كان الفحص في حدود الإذن أو الرضا أو الضرورة القانونية؟ هل تم فتح الجهاز بمعرفة صاحبه أم بوسيلة فنية؟ هذه الأسئلة ليست شكلية، لأن الهاتف لا يحتوي على بيانات متعلقة بالواقعة فقط، بل يحتوي على حياة خاصة كاملة. لذلك يجب أن يكون فحصه منضبطًا بحدود الحاجة الإجرائية، وإلا أصبح الدليل معرضًا للمنازعة من زاوية المشروعية والخصوصية.
ثم تأتي مسألة سلامة الاستخراج. فلقطة الشاشة وحدها لا تكفي غالبًا لبناء اقتناع جنائي متين، لأنها قابلة للتعديل والقص وإعادة الإنتاج. الأفضل فنيًا وقانونيًا أن يثبت الدليل من خلال تقرير فني يوضح طريقة استخراج البيانات، وتوقيتاتها، ومصدرها، وما إذا كانت محفوظة محليًا أو مسترجعة من خدمة سحابية، وما إذا كان هناك احتمال للحذف أو التعديل. كما أن سلسلة حيازة الجهاز منذ الضبط حتى الفحص لها أهمية خاصة، لأن أي فراغ في هذه السلسلة يفتح باب التشكيك.
أما النسبة فهي أكثر المسائل دقة. وجود رسالة في هاتف شخص لا يعني بالضرورة أنه كتبها، ووجود حساب مفتوح على الجهاز لا يثبت دائمًا أن المتهم استخدمه وقت الواقعة. فقد يكون الجهاز مشترك الاستخدام، أو الحساب مخترقًا، أو الرسائل متزامنة من جهاز آخر. لذلك لا بد من الربط بين الدليل الرقمي وقرائن أخرى، مثل نمط الكتابة، وتوقيت الاستخدام، وموقع الجهاز، وبيانات الدخول، وشهادة المجني عليه، وتحويلات مالية أو اتصالات متزامنة.
وتكمن أهمية التحليل الجنائي المتخصص في رفض طرفين متناقضين: التسليم المطلق بالدليل الرقمي لمجرد أنه تقني، أو إنكاره كليًا بحجة قابليته للتلاعب. الموقف العلمي هو إخضاعه لاختبار المشروعية والسلامة والنسبة والسياق. فإذا اجتاز هذه المراحل صار دليلًا قويًا ضمن منظومة الإثبات، وإذا عجز عنها بقي مجرد قرينة ضعيفة أو معلومة تحتاج إلى تأييد.
0 تعليقات