شرح المادة ٥ من قانون العقوبات المصري
مقدمة
تعد المادة ٥ من قانون العقوبات المصري من القواعد الأساسية التي تنظم علاقة القانون الجنائي بالزمن، وتقرر متى يسري قانون التجريم والعقاب على فعل ارتكبه شخص في تاريخ معين. فهذه المادة لا تكتفي بتحديد العقوبة، بل ترسم الإطار الزمني الذي يلتزم به القاضي والنيابة العامة والإدارة المختصة بتنفيذ الأحكام عند التعامل مع الجريمة. ومن ثم، فإن فهمها ضروري لمعرفة أي قانون يطبق: هل هو القانون المعمول به وقت ارتكاب الفعل، أم القانون الصادر بعده إذا كان أصلح للمتهم، أم القانون اللاحق الذي يجعل الفعل غير معاقب عليه بعد صدور حكم نهائي.
وتقوم المادة ٥ على فكرة متوازنة بين ثبات القانون وحماية المتهم. فهي من ناحية تمنع تطبيق قانون جديد أشد بأثر رجعي على أفعال وقعت قبل صدوره، ومن ناحية أخرى تسمح بتطبيق القانون الأصلح للمتهم إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم النهائي. كما تقرر نتيجة أوسع في حالة صدور قانون لاحق بعد حكم نهائي يجعل الفعل غير معاقب عليه، فيوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية. غير أن النص لا يترك المجال مطلقاً، إذ استثنى الحالة التي يكون فيها الفعل مخالفاً لقانون ينهي عن ارتكابه في فترة محددة، فقرر أن انتهاء هذه الفترة لا يحول دون السير في الدعوى أو تنفيذ العقوبات المحكوم بها.
ويترتب على ذلك أن المادة ٥ ليست مجرد نص تقني حول تاريخ سريان القانون، وإنما هي ضمانة قانونية كبرى للمواطن وللمجتمع معاً. فهي تحمي المواطن من مفاجأته بعقوبة لم تكن مقررة وقت ارتكابه للفعل، وتحمي المجتمع من إفلات مرتكبي أفعال كانت معاقباً عليها وقت وقوعها لمجرد تغير القانون لاحقاً في بعض الحالات. وبذلك يجمع النص بين مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي الأشد، ومبدأ رجعية القانون الأصلح للمتهم، وبين استمرار أثر القانون المؤقت في نطاق ضيق.
نص المادة
يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها. ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيا قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره. وإذا صدر قانون بعد حكم نهائي يجعل الفعل الذي حكم على المجرم من أجله غير معاقب عليه يوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية. غير أنه في حالة قيام إجراءات الدعوى أو صدور حكم بالإدانة فيها وكان ذلك عن فعل وقع مخالفاً لقانون ينهي عن ارتكابه في فترة محددة فإن انتهاء هذه الفترة لا يحول دون السير في الدعوى أو تنفيذ العقوبات المحكوم بها.
شرح المادة
ينصرف الشطر الأول من المادة إلى القاعدة العامة في سريان قانون العقوبات، وهي أن الجرائم يعاقب عليها بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها. ومعنى ذلك أن المشرع ينظر إلى تاريخ وقوع الفعل بوصفه المعيار الأساسي لتحديد العقوبة. فإذا كان الفعل وقت ارتكابه غير مجرم قانوناً، فلا يجوز معاقبة مرتكبه بناء على قانون صدر لاحقاً جعله جريمة. وإذا كان الفعل مجرماً وقت ارتكابه بعقوبة معينة، فلا يجوز تطبيق عقوبة أشد صدرت بعد ذلك، لأن العقوبة يجب أن تكون معلومة ومقررة وقت السلوك حتى يستطيع الإنسان أن يزن تصرفه على هدى من القانون.
وتستمد هذه القاعدة أهميتها من أنها تحول دون رجعية القانون الجنائي الأشد. فإذا صدر قانون بعد وقوع الفعل يجرم فعلاً لم يكن مجرماً، أو يرفع العقوبة المقررة له، أو يضيف ظرفاً مشدداً، أو يجعل العقوبة أكثر جسامة، فإن هذا القانون لا يطبق على الأفعال السابقة على صدوره. فالقاضي لا يسأل عن القانون الأحدث مطلقاً، بل يسأل عن القانون الذي كان معمولاً به وقت ارتكاب الجريمة، إلا إذا كان القانون اللاحق أصلح للمتهم.
أما الشطر الثاني من المادة فيقرر استثناءً مهماً على القاعدة العامة، وهو أن القانون الأصلح للمتهم يطبق إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائياً. وهذا الاستثناء يقوم على فكرة الرحمة والعدالة، فلا معنى لاستمرار عقوبة أشد إذا كان المشرع قد رأى بعد ذلك أن العقوبة الأخف أو التجريم الأقل شدة هو الأنسب. ومن هنا فإن القانون الجديد الأصلح لا ينتظر صدور حكم نهائي، بل يمتد أثره إلى كل دعوى لم تنته بحكم بات، سواء كانت في مرحلة التحقيق أو المحاكمة الابتدائية أو الاستئناف أو أي مرحلة تسبق نهائية الحكم.
ويشمل القانون الأصلح للمتهم حالات متعددة، منها القانون الذي يخفض العقوبة، أو يجعل العقوبة مخيرة بدلاً من أن تكون حتمية، أو يزيل ظرفاً مشدداً، أو يحول الجريمة من وصف أشد إلى وصف أخف، أو يضيف سبباً من أسباب الإباحة أو الأعذار المخففة، أو يلغي عقوبة تكميلية كانت مقررة، أو يوسع نطاق العفو أو التصالح إذا كان ذلك يترتب عليه أثر في التجريم أو العقوبة. والمعيار في ذلك ليس اسم القانون ولا تاريخه، بل أثره الفعلي على المتهم في الدعوى القائمة.
ويترتب على تطبيق القانون الأصلح للمتهم أن المحكمة تلتزم بمقارنة القانون القديم بالقانون الجديد، وتحدد أياً منهما يحقق مصلحة المتهم. فإذا كان القانون الجديد قد خفف العقوبة فقط، طبقت العقوبة الأخف. وإذا كان قد ألغى التجريم، تعين الحكم بعدم العقاب. وإذا كان قد أبقى على التجريم مع تغيير وصفه، وجب تطبيق الوصف الجديد إذا كان يؤدي إلى نتيجة أخف. ولا يجوز للقاضي أن يختار من القانون القديم ما يشدد ومن القانون الجديد ما يخفف على نحو انتقائي يخالف وحدة النظام القانوني، بل يطبق القانون الأصلح باعتباره مجموعة متكاملة في حدود ما يحقق مصلحة المتهم.
أما الشطر الثالث من المادة فيتعلق بما يحدث بعد صدور حكم نهائي. فإذا صدر قانون بعد الحكم النهائي يجعل الفعل الذي حكم على الشخص من أجله غير معاقب عليه، فإن تنفيذ الحكم يوقف وتنتهي آثاره الجنائية. وهذه قاعدة عادلة لأنها لا تترك شخصاً قيد العقوبة أو محملاً بآثار جنائية لفعل لم يعد القانون يعتبره جريمة. فإذا زال أساس التجريم بعد الحكم النهائي، زال سبب التنفيذ الجنائي، لأن العقوبة لم تعد مستندة إلى إرادة المشرع الحالية في معاقبة هذا الفعل.
ويجب التفرقة هنا بين حالتين. الحالة الأولى هي صدور قانون بعد الحكم النهائي يجعل الفعل غير معاقب عليه مطلقاً، وهنا تنطبق المادة صراحة، فيوقف تنفيذ الحكم وتنتهي آثاره الجنائية. والحالة الثانية هي صدور قانون بعد الحكم النهائي يخفف العقوبة دون أن يزيل التجريم، وهنا لا تسري الفقرة الخاصة بالحكم النهائي إلا إذا نص القانون الجديد على ذلك، لأن المادة ٥ في هذه المرحلة لا تتحدث عن مجرد تخفيف العقوبة، بل تتحدث عن زوال العقاب عن الفعل ذاته. أما قبل الحكم النهائي، فالقانون الأصلح للمتهم يطبق سواء كان يخفف العقوبة أو يزيل التجريم.
ويشمل وقف التنفيذ في الحالة التي يزول فيها العقاب كل ما يرتبط بالحكم الجنائي من آثار، مثل تنفيذ الحبس أو الغرامة الجنائية أو العقوبات التكميلية المرتبطة بالحكم، ما دام أثرها قائماً على الإدانة في فعل لم يعد معاقباً عليه. غير أن الآثار المدنية أو التعويضات التي تقوم على قواعد مستقلة لا يمكن الحديث عنها تفصيلاً في إطار هذه المادة إلا بالقدر الذي يتعلق بآثار الحكم الجنائي، لأن النص يركز على إيقاف التنفيذ الجنائي وانتهاء الآثار الجنائية.
أما الفقرة الأخيرة من المادة فترد استثناءً مهماً على ما قد يتوهمه البعض من أن انتهاء مدة قانون مؤقت يجعل كل ما وقع خلاله غير قابل للمحاكمة. فقد قرر المشرع أن انتهاء الفترة المحددة في قانون ينهي عن ارتكاب فعل معين لا يحول دون السير في الدعوى أو تنفيذ العقوبات المحكوم بها، إذا كان الفعل وقت وقوعه مخالفاً لذلك القانون. فالقانون المؤقت لا يفقد أثره بمجرد انقضاء مدته بالنسبة إلى المخالفات التي وقعت في أثناء سريانه، وإلا أصبح من السهل الإفلات من العقاب بمجرد انتظار انتهاء المدة المحددة.
ويشترط لتطبيق هذا الاستثناء أن يكون القانون الذي انتهت مدته قد نهى عن ارتكاب الفعل في فترة محددة، وأن يكون الفعل قد وقع مخالفاً لهذا النهي أثناء تلك الفترة. فإذا توافر ذلك، بقي حق الدولة في تحريك الدعوى أو الاستمرار فيها، وبقي حقها في تنفيذ العقوبات المحكوم بها، لأن الواقعة كانت وقت ارتكابها مخالفة لقانون قائم ونافذ. فالاستثناء يهدف إلى منع تعطيل العقاب على المخالفات الواقعة في ظل قانون مؤقت لمجرد انتهاء مدته لاحقاً.
الحكمة التشريعية
تقوم الحكمة التشريعية من المادة ٥ على تحقيق التوازن بين استقرار العقاب ومرونة العدالة. فلو كان
الكلمات المفتاحية: شرح مواد قانون العقوبات، قانون العقوبات المصري، المادة ٥، قانون العقوبات المصري، مقالات قانونية
0 تعليقات