شرح المادة ٤٠ من قانون العقوبات المصري
مقدمة
تعد المادة الأربعون من قانون العقوبات المصري من القواعد الأساسية التي تحدد صور الاشتراك في الجريمة، فلا يقتصر العقاب في القانون على الشخص الذي ينفذ الجريمة بيده فقط، بل يمتد إلى كل من ساهم في إيقاعها بصورة مؤثرة، سواء كان ذلك بالتحريض أو بالاتفاق أو بالمساعدة المادية أو العملية. وقد جاءت هذه المادة لتقرير مبدأ مهم، وهو أن الجريمة قد تكون ثمرة جهد مشترك، وأن من أمد الجاني بالإرادة أو العون أو التجهيز يستحق أن يوصف شريكا في الجريمة متى توافرت الشروط التي قررها النص.
نص المادة
تنص المادة الأربعون على أن يعد شريكا في الجريمة: أولا، كل من حرض على ارتكاب الفعل المكون للجريمة إذا وقع هذا الفعل بناء على التحريض. ثانيا، من اتفق مع غيره على ارتكاب الجريمة فوقعت بناء على هذا الاتفاق. ثالثا، من أعطى للفاعل أو الفاعلين سلاحا أو آلات أو أي شيء آخر استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها، أو ساعدهم بأي طريقة أخرى في الأعمال المجهزة أو المسهلة أو المتممة لارتكابها. ومعنى النص أن الشريك لا يلزمه تنفيذ الركن المادي للجريمة مباشرة، بل يكفي أن يكون قد شارك في نشوء الإرادة الإجرامية أو في الاتفاق عليها أو في تهيئة أسباب تنفيذها.
شرح المادة
تنقسم صور الشريك في الجريمة وفقا لهذه المادة إلى ثلاث صور رئيسية. الصورة الأولى هي التحريض، ومحلها أن يدفع شخص آخر إلى ارتكاب الجريمة بإقناع أو إغراء أو تهديد أو إيهام أو أي وسيلة تؤثر في إرادته، بشرط أن تقع الجريمة فعلا نتيجة هذا التحريض. فإذا صدر تحريض ولم يترتب عليه وقوع الجريمة، فلا ينطبق نص المادة في شأن الشريك في الجريمة التامة، وإن كان ذلك قد يدخل في نطاق أحكام أخرى تتعلق بالشروع أو الحالات الخاصة.
أما الصورة الثانية فهي الاتفاق على ارتكاب الجريمة، ومعناها أن يتفق شخصان أو أكثر على تنفيذ فعل إجرامي، ثم تقع الجريمة بناء على هذا الاتفاق. ولا يشترط أن ينفذ كل مشترك جزءا ظاهرا من التنفيذ، بل يكفي أن يكون الاتفاق قد ساهم في وقوع الجريمة. والصورة الثالثة هي المساعدة، وتشمل إعطاء السلاح أو الآلات أو الأدوات التي استعملت في الجريمة، مع علم الشريك بأنها ستستخدم في فعل مجرم، كما تشمل أي عون آخر في الأعمال المجهزة أو المسهلة أو المتممة، مثل الحراسة أو النقل أو توفير المعلومات أو الترتيب للمكان أو إبعاد الشهود، إذا كان هذا العون مرتبطا بالجريمة.
الحكمة التشريعية
الحكمة من هذه المادة واضحة، وهي عدم ترك أي مساهم حقيقي في الجريمة خارج نطاق العقاب. فالقانون لا يكتفي بمواجهة من أمسك السلاح أو أخذ المال أو وجه الضربة، بل ينظر إلى السلسلة الإجرامية كاملة. فقد يكون المتسبب الحقيقي في الجريمة هو من زرع الفكرة في ذهن الجاني، أو من وضع الخطة، أو من وفر الوسيلة، أو من هيأ الظروف. ومن ثم فإن النص يحقق العدالة برد الاعتبار القانوني لكل دور مؤثر في وقوع الجريمة، ويحذر الناس من أن مجرد المشاركة في الإرادة أو الإعداد أو التسهيل قد يجعلهم شركاء في الجريمة.
أهمية المادة في التطبيق العملي
تظهر أهمية المادة الأربعين في التطبيق العملي عند تمييز الفاعل الأصلي عن الشريك، وعند إثبات مسؤولية كل من ساهم في الجريمة. فهي تساعد القاضي على تقييم الأدلة وربطها بالركن المعنوي والركن المادي. فالركن المعنوي يتطلب العلم بطبيعة الفعل والإرادة في المساهمة فيه، أما الركن المادي فيتمثل في التحريض أو الاتفاق أو المساعدة. كما يتطلب النص علاقة سببية بين مساهمة الشريك ووقوع الجريمة، فلا يكفي وجود صلة عابرة أو معرفة عامة، بل يجب أن يكون للعون أو التحريض أو الاتفاق أثر في وقوع الجريمة.
مثال عملي
إذا اتفق شخصان على سرقة محل تجاري، فقام أحدهما بتوفير مفاتيح المكان، وقام الآخر بدخول المحل وأخذ المال، فإن مقدم المفاتيح يعد شريكا في جريمة السرقة، لأنه ساعد في الأعمال المجهزة أو المسهلة لارتكابها مع علمه بها. وكذلك لو حرض شخص آخر على الاعتداء على موظف، فأقدم هذا الموظف على الاعتداء نتيجة هذا التحريض، كان المحرض شريكا في الجريمة. أما إذا اقتصر الأمر على مجرد حديث عابر لا يؤدي إلى إرادة إجرامية واضحة، أو إذا لم تقع الجريمة بناء على التحريض أو الاتفاق أو المساعدة، فإن تطبيق المادة يختلف بحسب الوقائع والأدلة.
خاتمة
تقرر المادة الأربعون من قانون العقوبات المصري أن الشريك في الجريمة هو كل من ساهم في وقوعها بالتحريض أو الاتفاق أو المساعدة، بشرط أن تكون مساهمته مؤثرة وأن تقع الجريمة بناء عليها. وبذلك يجمع النص بين حماية المجتمع وتحقيق العدالة، ويؤكد أن المسؤولية الجنائية لا تنحصر في التنفيذ المادي المباشر، بل تمتد إلى كل من شارك في صناعة الجريمة أو تسهيلها أو إتمامها.
الكلمات المفتاحية: شرح مواد قانون العقوبات، قانون العقوبات المصري، المادة ٤٠، قانون العقوبات المصري، مقالات قانونية
0 تعليقات