نظرية خلق الجريمة والتحريض غير المشروع في العمل الجنائي
فكرة النظرية
تقوم نظرية خلق الجريمة على التفرقة بين كشف الجريمة الموجودة أصلًا وبين صنع الجريمة التي لم تكن لتقع لولا تدخل جهة الضبط أو من يعمل لحسابها. فالدولة تملك أن تتحرى وتراقب وتكشف النشاط الإجرامي، لكنها لا تملك أن تدفع شخصًا بريئًا أو مترددًا إلى ارتكاب جريمة ثم تعاقبه عليها. هذه الفكرة تمثل أحد الضوابط الأخلاقية والقانونية للعمل الجنائي.
ولا يعني ذلك منع استخدام المصادر السرية أو العمليات الموجهة في الجرائم الخفية، مثل المخدرات أو الرشوة أو الجرائم الإلكترونية. وإنما المقصود أن يظل دور السلطة كاشفًا لا منشئًا، وأن يكون التدخل موجهًا إلى نشاط إجرامي قائم أو استعداد جدي سابق، لا إلى إغراء شخص بارتكاب فعل لم يكن عازمًا عليه.
الفرق بين الكشف والتحريض
الكشف المشروع يتحقق عندما تتلقى جهة الضبط معلومات جدية عن نشاط إجرامي، فتتخذ إجراءات لاختبارها أو ضبطها دون أن تخلق الفكرة الإجرامية ذاتها. أما التحريض غير المشروع فيتحقق عندما يكون الدافع الحاسم إلى ارتكاب الجريمة صادرًا من جهة الضبط أو مصدرها، بحيث يصبح المتهم مجرد مستجيب لإغراء أو ضغط أو تدبير مصطنع.
المعيار هنا ليس وجود تواصل مع المتهم فحسب، بل طبيعة هذا التواصل. هل اقتصر على إتاحة فرصة لمن كان مستعدًا؟ أم تضمن ضغطًا أو إلحاحًا أو وعدًا استثنائيًا أو خلق منفعة غير عادية دفعت إلى الجريمة؟ كذلك يجب بحث سوابق السلوك، واستعداد المتهم، وسياق الواقعة، ومدى جدية المعلومات السابقة على التدخل.
الأثر على الدليل
إذا ثبت أن الجريمة صُنعت بفعل التحريض غير المشروع، فإن الدليل الناتج عنها يفقد قيمته الأخلاقية والقانونية، لأنه وليد تدخل غير مقبول. فغاية العدالة الجنائية ليست زيادة عدد القضايا، بل كشف الجريمة الواقعية ومعاقبة من اختار السلوك الإجرامي بإرادته. ومن ثم فإن الدفع بخلق الجريمة ليس دفعًا شكليًا، بل يمس أصل الواقعة ومشروعية الدليل.
غير أن هذا الدفع لا يقبل بمجرد الادعاء. يجب أن يستند إلى وقائع محددة تكشف أن فكرة الجريمة أو قرار ارتكابها نشأ من تدخل خارجي غير مشروع. لذلك يجب على الدفاع أن يركز على التسلسل الزمني للوقائع، ومصدر المبادرة، وطبيعة العروض أو الضغوط، ومدى وجود نشاط سابق مستقل.
خلاصة
نظرية خلق الجريمة تضع حدًا فاصلًا بين دولة تكشف الجريمة ودولة تصنعها. وهي لا تعطل مكافحة الجرائم الخفية، لكنها تفرض عليها ضوابط تحمي الإرادة الحرة ومشروعية الإثبات. والإضافة العملية أن هذا الدفع يجب أن يصاغ بوصفه تحليلًا لمسار الواقعة، لا مجرد شعار دفاعي، لأنه لا ينجح إلا إذا كشف أن الجريمة ولدت من تدخل غير مشروع لا من إرادة إجرامية سابقة.
0 تعليقات