التكييف الجنائي للتلاعب بالخوارزميات المالية في أسواق التداول
لم يعد التلاعب بالأسواق المالية يتم فقط عبر أوامر صورية أو شائعات مباشرة أو اتفاقات تقليدية بين متعاملين، فقد ظهرت صور أكثر تعقيدًا تقوم على استخدام الخوارزميات وبرامج التداول الآلي لإحداث أثر مصطنع في السعر أو السيولة أو اتجاه السوق. ويطرح ذلك سؤالًا جنائيًا مهمًا: هل الخوارزمية مجرد أداة محايدة، أم يمكن أن تكون وسيلة لارتكاب جريمة اقتصادية إذا صممت أو استعملت بغرض تضليل السوق؟
التكييف الصحيح يبدأ من فهم وظيفة الخوارزمية. فإذا كان البرنامج ينفذ أوامر مبنية على معايير معلنة أو استراتيجية مشروعة لإدارة المخاطر أو تحسين التنفيذ، فلا تقوم الجريمة لمجرد سرعة التداول أو كثرة الأوامر. أما إذا صممت الخوارزمية لإدخال أوامر لا يقصد تنفيذها، أو خلق طلب وهمي، أو دفع المتعاملين إلى اعتقاد غير صحيح بشأن عمق السوق، فقد تتحول التقنية إلى وسيلة احتيالية مؤثرة في نزاهة التداول.
وتكمن الصعوبة في إثبات الركن المعنوي. فالخوارزمية لا تملك قصدًا جنائيًا، وإنما ينسب القصد إلى من صممها أو شغلها أو عدل إعداداتها أو استفاد من نتائجها مع علمه بطبيعتها المضللة. لذلك يجب البحث في رسائل التطوير، وسجلات الاختبار، وإعدادات التنفيذ، وتكرار النمط، والعلاقة بين إدخال الأوامر وإلغائها، والأرباح الناتجة عن ذلك. فالسلوك الرقمي المتكرر قد يكون قرينة قوية إذا دل على نمط غير قابل للتفسير التجاري العادي.
كما يجب التمييز بين التقلب المشروع والتلاعب. الأسواق بطبيعتها تتحرك بسرعة، وقد تؤدي استراتيجيات مشروعة إلى آثار حادة دون نية إجرامية. لذلك لا يكفي إثبات أن الخوارزمية سببت اضطرابًا في السعر، بل يجب إثبات أن الاضطراب كان مقصودًا أو مقبولًا كجزء من خطة مضللة. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تعمل الخوارزمية ذاتيًا وفق نماذج تعلم آلي تتطور مع البيانات، لأن المسؤولية هنا ترتبط بواجب الرقابة البشرية وحدود توقع المخاطر.
ومن الناحية العملية، يحتاج التحقيق في هذه الجرائم إلى دمج الخبرة القانونية بالخبرة الفنية والمالية. فالمحقق أو القاضي لا يكتفي بقراءة الكود البرمجي، بل يحتاج إلى تحليل أثر الأوامر في السوق، ومقارنتها بسلوك المتعاملين العادي، وفحص العلاقة بين الإلغاء والتنفيذ والربح. وبذلك يتحول التكييف الجنائي من مجرد اتهام بالتلاعب إلى بناء منطقي يثبت أن التقنية استعملت كوسيلة لتزييف آلية العرض والطلب.
والإضافة الأساسية هنا أن القانون الجنائي الاقتصادي يجب أن ينتقل من ملاحقة الأفعال الظاهرة فقط إلى فهم البنية الخوارزمية للسلوك المالي. لكن هذا الانتقال يجب أن يكون منضبطًا حتى لا يجرم الابتكار أو السرعة أو التداول الآلي في ذاته. العبرة ليست بالأداة، بل بالغرض الاحتيالي وبالأثر المضلل وبإمكان نسب السلوك إلى إرادة بشرية أو تنظيمية مسؤولة.
0 تعليقات