شرح المادة ٢٨ من قانون العقوبات المصري

شرح المادة ٢٨ من قانون العقوبات المصري

مقدمة

تُعد المادة الثامنة والعشرون من قانون العقوبات المصري من النصوص المهمة التي تعالج مرحلة ما بعد تنفيذ العقوبة الأصلية، وذلك في جرائم معينة يراها المشرع ذات خطورة خاصة على الأمن العام والثقة العامة والممتلكات والأرواح. فهذه المادة لا تنشئ عقوبة جديدة بذات وصف الحبس أو السجن، بل تفرض إجراءً تابعاً يتمثل في إخضاع المحكوم عليه لمراقبة البوليس بعد انقضاء مدة العقوبة الأصلية. ومن ثم فإن الغاية منها ليست مضاعفة العقوبة، وإنما متابعة شخص صدر ضده حكم في جناية خطيرة، والتحقق من سلوكه بعد خروجه من السجن، حمايةً للمجتمع وردعاً لمن قد يعاود الإجرام.

نص المادة

تنص المادة الثامنة والعشرون على أن كل من يحكم عليه بالسجن المؤبد أو المشدد أو السجن لجناية مخلة بأمن الحكومة أو تزييف نقود أو سرقة أو قتل في الأحوال المبينة في الفقرة الثانية من المادة ٢٣٤ أو لجناية من الجنايات المنصوص عليها في المادتين ٣٥٦ و٣٦٨ يجب وضعه بعد انقضاء مدة عقوبته تحت مراقبة البوليس مدة مساوية لمدة عقوبته، بشرط ألا تزيد مدة المراقبة على خمس سنين. ومع ذلك يجوز للقاضي أن يخفض مدة المراقبة أو أن يقضي بعدمها جملة. ومعنى النص أن المراقبة تبدأ بعد انتهاء العقوبة الأصلية، وأنها مرتبطة بطبيعة الجريمة وعقوبتها، مع إعطاء القاضي سلطة تقديرية في تقليلها أو استبعادها إذا رأى ذلك مناسباً.

شرح المادة

تتعلق المادة بجرائم محددة ذكرها المشرع على سبيل الحصر، وهي الجرائم التي مسّت الأمن الداخلي للدولة، أو تزييف النقود، أو السرقة، أو القتل في حالات معينة، أو بعض الجنايات الواردة في المادتين ٣٥٦ و٣٦٨. فإذا صدر الحكم بالسجن المؤبد أو المشدد أو السجن في إحدى هذه الجنايات، وجب أن ينظر القاضي في إخضاع المحكوم عليه لمراقبة البوليس بعد انتهاء عقوبته. وتكون مدة هذه المراقبة مساوية لمدة العقوبة المحكوم بها، لكن المشرع وضع حداً أعلى لهذه المدة هو خمس سنوات، حتى لا تمتد المراقبة زمناً طويلاً بصورة غير متوازنة. ومن المهم أن المراقبة لا تبدأ إلا بعد انقضاء العقوبة الأصلية، أي بعد قضاء المحكوم عليه مدة السجن أو ما يعادلها قانوناً. كما أن للمحكمة سلطة تقديرية واضحة، إذ يجوز لها أن تقرر المراقبة كاملة، أو تخفض مدتها، أو تقضي بعدمها جملة إذا توافرت ظروف تبرر ذلك، مثل حالة المتهم وسلوكه ودرجة خطورته وظروف الجريمة.

الحكمة التشريعية

الحكمة من المادة تتحقق في جمع بين حماية المجتمع ومراعاة أحوال المحكوم عليه. فالمشرع لم يترك كل من ارتكب جناية خطيرة دون متابعة بعد قضاء العقوبة، لأن بعض الجرائم تدل على خطورة إجرامية تستدعي اليقظة بعد خروج الجاني من السجن. وفي الوقت نفسه لم يجعل المراقبة عقوبة مطلقة لا مفر منها، بل منح القاضي سلطة تخفيضها أو إلغائها، حتى لا يتحول هذا الإجراء إلى عقوبة إضافية تلقائية لا تراعي الفروق بين الجناة. وبذلك يحقق النص توازناً بين الردع والوقاية من ناحية، والإنصاف ومراعاة ظروف كل قضية من ناحية أخرى.

أهمية المادة في التطبيق العملي

تظهر أهمية المادة في التطبيق العملي عند صدور الأحكام في الجنايات الخطيرة، حيث يتعين على المحكمة أن تبحث موضوع المراقبة ضمن منطوق الحكم. فإذا لم تنص على المراقبة مع أن الجريمة تدخل في نطاق المادة، فقد يكون الحكم ناقصاً من هذه الناحية، ما لم يكن ثمة ما يبرر عدم تطبيقها أو كان القاضي قد استعمل سلطته في عدم تقريرها. كما أن تحديد مدة المراقبة لا يتجاوز خمس سنوات يحدد أثرها الزمني، ويجعل تنفيذها محصوراً في إطار واضح. وتؤثر هذه المادة أيضاً في وضع المحكوم عليه بعد الإفراج عنه، إذ يصبح ملزماً بالقيود والإجراءات التي تفرضها مراقبة البوليس وفق القانون.

مثال عملي

إذا حكم على شخص بالسجن خمس سنوات في جريمة سرقة تدخل ضمن الجنايات المقصودة في هذه المادة، وجب على المحكمة بعد انتهاء مدة العقوبة أن تقرر إخضاعه لمراقبة البوليس لمدة مساوية للعقوبة، أي خمس سنوات، لأن هذه هي المدة المحكوم بها ولا تزيد على الحد الأقصى. أما إذا حكم عليه بالسجن عشر سنوات في جريمة تدخل في نطاق النص، فإن مدة المراقبة لا تكون عشر سنوات، بل تقتصر على خمس سنوات بحد أقصى. وإذا رأى القاضي أن ظروف المتهم لا تستدعي المراقبة، جاز له أن يقضي بعدمها جملة أو أن يحددها لمدة أقل.

خاتمة

تعد المادة الثامنة والعشرون من قانون العقوبات المصري أداة قانونية تهدف إلى متابعة مرتكبي بعض الجنايات الخطيرة بعد قضاء عقوبتهم، دون أن تكون عقوبة جديدة مطلقة. فهي تجمع بين إلزام المشرع بحماية المجتمع، وبين منح القاضي سلطة تقديرية لتخفيض المراقبة أو إلغائها عند الاقتضاء. وبذلك يحقق النص غاية مزدوجة: الوقاية من العود إلى الإجرام، ومراعاة ظروف كل محكوم عليه بما يتفق مع العدالة.


الكلمات المفتاحية: شرح مواد قانون العقوبات، قانون العقوبات المصري، المادة ٢٨، قانون العقوبات المصري، مقالات قانونية

0 تعليقات